السيد علي الموسوي القزويني
15
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
والرجس في الجميع أريد منه النجس إلّا أنّه حيث اسند إلى الخمر كان الإسناد حقيقيّاً ، وحيث اسند إلى توابعه كان الإسناد مجازيّاً لضرب من التشبيه في استقباح المتعلّق أو وجوب اجتنابه . ففيه : أنّ الإسناد الواحد لا يتحمّل وصفي الحقيقة والمجاز ، واعتبار التعدّد في الإسناد يؤدّي إلى الاستعمال في معنيين . وإن أراد أنّ تعدّد المبتدأ ممّا يستدعي تعدّد الخبر فيقدّر لما عدا الخمر خبراً ، فالرجس المذكور من حيث إنّه خبر للخمر أريد منه النجس ، وهذا لا ينافي أن يراد من الرجس المقدّر بالقياس إلى غيرها معنى آخر كالخباثة المعنويّة . ففيه : أنّ التقدير خلاف الأصل ، وتعدّد المبتدأ مع صلاحية الخبر للعود إلى الجميع لا يقضي بلزومه ، ولو سلّم التقدير وجب اتّحاد المذكور والمقدّر في أصل المعنى . وبالجملة دعوى عدم الخلاف في كون الرجس في الآية بمعنى النجس مع أنّه ليس له معنى محصّل - بملاحظة ما ذكرناه من وجود قرينة الخلاف - غير مسموعة . ومنها : قوله سبحانه أيضاً : « وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ » « 1 » قال في القاموس : « الرجز القذر وعبادة الأوثان والشرك والعذاب » « 2 » وإطلاق الرجس على الشرك وعبادة الأوثان مجاز يتوقّف على القرينة ، والحمل على العذاب في هذه الآية بعيد جدّاً ، فينبغي حمله على المعنى الأوّل وهو المناسب لقوله : « وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ » 3 وفي تفسير عليّ بن إبراهيم « الرجز الخبيث » « 4 » والمحكوم بنجاسته شرعاً خبيث قذر فيجب هجره بمقتضى الأمر الّذي هو من التكاليف المشتركة دون الخواصّ ، والتصرّف بالتجارة والبيع والشراء خلاف الهجر المأمور به فيكون محرّماً ، هكذا قرّره في المصابيح « 5 » . ويرد عليه أوّلًا - بعد تسليم تعيّن الحمل على المعنى الأوّل ومجازيّة ما سواه غير العذاب - ما تقدّم من أنّ القذر أعمّ من النجاسة الشرعيّة والخباثة المعنويّة فلم يتعيّن كون المأمور بهجرانه في الآية هو النجس ، ولا يشهد له قوله : « وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ » لما روي عن الصادق عليه السلام « أنّ معناه وثيابك فقصّر » « 6 » ارشاداً له إلى التنزّه عن ملابس أهل الكبر
--> ( 1 ) 1 و 3 المدّثر : 5 . ( 2 ) القاموس 2 : 176 ( رجز ) . ( 4 ) تفسير عليّ بن إبراهيم 2 : 393 . ( 5 ) المصابيح : 5 . ( 6 ) الوسائل 5 : 41 / 10 ، ب 23 أحكام الملابس ، مجمع البيان 5 : 385 .